لغة البيت أولًا

مع التطور المتسارع الذي يشهده عالمنا اليوم، يبرز سؤال في غاية الأهمية: هل أصبح استخدام اللغة الإنجليزية في الحياة اليومية داخل الأسرة الإماراتية ضرورة عصرية لا بد من التعايش معها، أم أنه يشكل تهديدًا تدريجيًا للهوية اللغوية؟

لا أحد ينكر أهمية اللغة الإنجليزية في إعداد جيل قادر على المنافسة العالمية، والتميز في الجامعات، والنجاح في سوق العمل. لكن يبقى السؤال الأهم: هل يشترط النجاح العالمي أو حتى المحلي التخلي عن اللغة الأم؟

كان هذا محور المناظرة الثقافية التي نظمتها جمعية سواعد الإمارات للتمكين المجتمعي والثقافي، حيث ناقش المشاركون ما إذا كان استخدام الإنجليزية داخل الأسرة يمثل تطورًا طبيعيًا يهيئ أبناءنا للمستقبل، أم أنه يسهم تدريجيًا في تراجع اللغة العربية وإضعاف الهوية الوطنية.

وقد اتفق معظم المشاركين على أن الأسرة تبقى المدرسة الأولى للغة، وأن ضعف حضور العربية داخل المنزل قد لا تستطيع المدرسة تعويضه، مهما بلغت جودة مناهجها، لأن الطفل يكتسب لغته الأولى من بيئته اليومية قبل أن يتلقاها في مقاعد الدراسة.

وفي المقابل، طُرح خلال المناظرة رأي آخر يرى أن مسؤولية ترسيخ اللغة العربية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المؤسسات التعليمية وصناع السياسات، من خلال تطوير المناهج وبناء بيئة تعليمية تعزز مكانة اللغة العربية لدى الأجيال.

ومع ذلك، يبقى السؤال حاضرًا: كيف نطالب بحماية اللغة العربية بينما تُهمَل داخل بعض البيوت؟ فالأبناء يتأثرون بطبيعة الحال بالبيئة التي يعيشون فيها، واللغة الأكثر استخدامًا في المنزل غالبًا ما تصبح اللغة الأقرب إلى تفكيرهم وتعبيرهم.

إننا لا نعارض تعلم اللغة الإنجليزية، فهي لغة العلم والمعرفة والتواصل العالمي، لكننا نعارض أن تصبح لغة الحياة اليومية داخل الأسرة الإماراتية. فالمنزل هو الحاضنة الأولى التي يكتسب فيها الطفل لغته الأم، وهي اللغة التي تربطه بهويته وثقافته وقيمه وانتمائه. أما المدرسة، فعلى الرغم من دورها المحوري، فإنها لا تستطيع وحدها أن تعوض ما يفقده الطفل من لغته داخل أسرته.

وفي ختام المناظرة، برز اتفاق واسع على أن اللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية، بل هي وعاء الهوية والثقافة والذاكرة الوطنية. وإذا فقد الطفل صلته بلغته داخل بيته، فلن يكون من السهل على أي نظام تعليمي تعويض هذا الفقد. ومن هنا، تبقى اللغة العربية لغة الأسرة الأولى، مع أهمية إتقان اللغة الإنجليزية كلغة ثانية تفتح آفاق المعرفة والتواصل، دون أن تكون على حساب لغة الهوية والانتماء.

القاعدة الذهبية: البيت الذي يحافظ على لغته، يحافظ على هويته قبل أي شيء آخر.

دكتورة عائشة الجناحي
Dr. Ayesha Al Janahi
Scroll to Top