دكتورة عائشة الجناحي
الحياة عبارة عن محطات مليئة بالأحداث والمواقف، منها الجيد الذي تحمله معك بين تفاصيل ذاكرتك ليسعدك ومنها السيء الذي تحاول نسيانه أو إعادة تسميته من موقفٍ جارح أو قاسٍ إلى تجربةٍ نوعية زادت من رصيدك المعرفي لكي تمضي في حياتك بسلامٍ ورضا.
ولكن إذا استغرقت جلّ وقتك في التحليل والتدقيق وجلب جميع تلك التجارب الموجعة التي دفنها الزمان ستعيش في تفاصيل الماضي وتكون في شقاء بعيداً كل البعد عن جمال الحاضر وفرص المستقبل.
ولكن لماذا يتشبث البعض بمواقف الماضي ويعيد تفعيلها في ذاكرته من وقتٍ إلى آخر؟
في الواقع، الذاكرة لا تحتفظ بالأحداث فحسب بل بالمشاعر التي صاحبتها. فحين يمرُ أحدهم بموقفٍ ترك فيه أثراً نفسياً عميقاً، لن يبقى أسيراً للموقف نفسه وإنما لما ولّده من ألم أو خذلان أو شعور بعدم الإنصاف. وهذا يفسر عودة تلك الذكريات إلى السطح كلما واجه أحدهم موقفاً مشابهاً أو رأى شخصاً يوقظ تلك المشاعر القديمة.
أحياناً تجلس مع بعض الأشخاص وتلاحظ كيف يتغير الحوار تدريجياً من مواضيعك التي تتسم بالإيجابية إلى مواضيع تخص ماضيهم المرير أو مشاكلهم الشخصية. والأمّر من ذلك هو إنك تستشعر فيهم كمية الألم وعدم الرضا أو التصالح مع تلك الذكريات السابقة التي لا زالت تنزف في داخلهم إلى اليوم.
من أبرز الأسباب التي تجعل البعض يتشبث بمواقف الماضي هو عدم وجود تفسيراً أو اعتذاراً أو نهايةً مرضّية تشعرهم بالسلام الداخلي، لذا يستحضر العقل الحدث لا إرادياً ويعكسه مباشرةً على حالته النفسية. وقد يكون بسبب شدة الأثر العاطفي الذي تسبب فيه، فالمواقف المتعلقة بالخيانة أو الفقد أو الإهانة أو الظلم تُرسَّخ في الذاكرة أكثر بكثير من المواقف العادية. لذا لابد من التصالح مع ذكريات الماضي.
وهذا لا يعني إنكار ما حدث أو التقليل من أثره آنذاك، بل يعني تقبّل التجربة بوصفها جزءاً من رحلة الحياة، والتعامل معها كدرسٍ أسهم في بناء الشخصية وصقل الخبرة وتعزيز المهارات. فكلما أدرك الإنسان أن بعض الأحداث لا يمكن تغييرها، وأن ما يستطيع تغييره هو طريقة نظرته إليها، أصبح أكثر وعياً وقدرة على التحرر من ثقل ذكريات الماضي، وتمكن من توجيه طاقاته نحو الحاضر وصناعة مستقبل أكثر جمالاً وإشراقاً.
تذكر دائماً أن هناك فرقاً كبيراً بين التذكر والعيش في الذكرى، فاستحضار الماضي للاستفادة من دروسه هو بلا شك أمرٌ صحي، أما إعادة إحياء الألم والمواقف السيئة وكأنها تحدث اليوم، قد يقيّد الشخص ويحرمه من الاستمتاع بتفاصيل الحاضر.
السؤال الذي يستحق التأمل، هل ما زالت هذه الذكريات تقود حياتك، أم أصبحت مجرد دروس تعلمت منها؟
القاعدة الذهبية: لا تجعل الماضي منزلاً تسكنه، بل درساً تتجاوزه؛ فالحياة تُعاش بجمال الحاضر، وتُبنى بأمل المستقبل.