هل يمكن أن تصنع الكلمات التي نكررها كل يوم ملامح حياتنا؟ وهل تصبح مع مرور الزمن عدسة نرى بها أنفسنا والعالم من حولنا؟
قد تبدو الكلمات مجرد حروف تُقال ثم تتلاشى، لكنها في الحقيقة تترك أثراً يتجاوز لحظة النطق. فما نردده باستمرار يتحول مع الوقت إلى قناعات راسخة، والقناعات تصوغ قراراتنا، وقراراتنا ترسم مسار حياتنا.
ولهذا، نلاحظ أن بعض الأشخاص اعتادوا تكرار عبارات مثل: «حظي سيئ»، «هذه مصيبة»، «دائماً يحدث لي الأسوأ». ومع مرور الأيام، لا تصبح هذه الكلمات مجرد تعبيرات عابرة، بل تتحول إلى عدسة ينظرون من خلالها إلى كل موقف يمرون به، فيرون العقبات قبل الفرص، واليأس قبل الأمل، فتنعكس هذه النظرة على شخصياتهم، وعلى طريقة تعاملهم مع الآخرين، وحتى على قدرتهم على تجاوز الأزمات.
وفي المقابل، هناك كلمات تُقال بدافع المحبة، لكنها تحمل دلالات سلبية دون أن ننتبه إليها، مثل عبارة: «أموت فيك». ورغم أنها تُستخدم للتعبير عن شدة الحب، فإنها تعكس لغة مشبعة بالمبالغة والصور السلبية، في الوقت الذي يمكن فيه اختيار كلمات أكثر حياةً وطمأنينة تعبّر عن المشاعر ذاتها دون استحضار مفردات الفقد والموت.
ولعل من أكثر المواقف التي تدعو للتأمل، ما ذكرته إحدى السيدات في مقابلة تلفزيونية، عندما تحدثت عن شاعر عبّر عن ندمه على كتابة مقطع من أغنية كانت سبباً في شهرته وانتشارها، وهو: «أطباء الكون ما تشفيني». فقد أوضح أن سبب ندمه يعود إلى أن هذه الكلمات تلامس حقيقة مؤلمة، وهي أن هناك أمراضاً ما زال الطب عاجزاً عن إيجاد علاج لها، فتمنى لو أنه لم يصغها بهذه الصورة التي تحمل قدراً كبيراً من الاستسلام.
وهنا يبرز سؤال مهم: إلى أي مدى تؤثر الكلمات التي نكررها في طريقة تفكيرنا، وفي صحتنا النفسية، وفي نظرتنا إلى المستقبل؟
تشير كثير من الدراسات في علم النفس إلى أن الحوار الداخلي الذي يخوضه الإنسان مع نفسه يؤثر في مستوى ثقته، ودافعيته، وقدرته على مواجهة التحديات. فالكلمات ليست مجرد أصوات، بل رسائل يرسلها العقل إلى نفسه باستمرار. فإذا امتلأت هذه الرسائل بالتشاؤم والعجز، ضعفت الإرادة وتضاءلت الثقة. أما إذا كانت مليئة بالأمل والثقة والمسؤولية، فإنها تعزز المرونة النفسية، وتمنح الإنسان طاقة أكبر للمحاولة والاستمرار.
ولا يقتصر أثر الكلمات على الإنسان نفسه، بل يمتد إلى كل من حوله. فكلمة طيبة قد تعيد الأمل إلى قلبٍ أنهكه اليأس، وجملة مشجعة قد تغيّر مسار طالب أو موظف أو طفل إلى الأفضل، بينما قد تترك كلمة جارحة أثراً يبقى في الذاكرة سنوات طويلة.
لذلك، ربما يجدر بنا أن نتوقف بين حين وآخر لنسأل أنفسنا: ما الكلمات التي أكررها كل يوم؟ وهل تبني داخلي إنساناً أكثر قوة وطمأنينة، أم ترسخ في نفسي الخوف والإحباط؟
فالكلمات التي نختارها اليوم قد لا تغيّر الواقع مباشرة، لكنها تغيّر الطريقة التي نواجه بها هذا الواقع، ومن هنا تبدأ رحلة التغيير الحقيقية.
القاعدة الذهبية: الكلمات التي تكررها تصبح أفكاراً، والأفكار تتحول إلى قرارات، والقرارات هي التي ترسم ملامح حياتك.
دكتورة عائشة الجناحي