جيل السرعة الرقمية

وُلد جيل اليوم في قلب الثورة الرقمية، واعتاد على كل ما هو فوري وسريع. ولم يعد كثيرون قادرين على تحمّل المحتوى الطويل، بعدما أصبحت المقاطع القصيرة والتمرير السريع جزءاً من روتينهم اليومي. ومع مرور الوقت، بدأت قدرتهم على الصبر تتراجع، وتشتّت تركيزهم يزداد، بينما يتعاظم انجذابهم إلى كل ما هو سريع وسهل.

لكن، وسط هذا التدفق المتسارع للمحتوى، يبرز سؤال مهم: هل فقد الجيل الجديد قدرته على التمهّل، أم أن السرعة أصبحت أسلوب حياة لا مفر منه؟

جلستُ ذات مرة مع أحد الأطفال، ولاحظت أنه يتنقّل بسرعة بين مشاهد أحد المسلسلات الكرتونية على منصة «نتفلكس»، غير قادر على الانتظار حتى يكتمل المشهد أو تتدرج أحداثه. لم يكن ذلك مجرد تصرف عفوي، بل كان مؤشراً واضحاً على تراجع قدرته على التريّث. ففي تلك اللحظة، أدركت كيف تسلّلت ثقافة السرعة إلى عالم الطفولة، حتى في أبسط لحظات الترفيه، وأصبح كل ما هو سريع ومختصر أكثر جذباً من المشاهد المتدرجة والبناء القصصي الطبيعي.

ولعل ما يثير القلق أن هذا التأثير لا يقتصر على العادات اليومية، بل يمتد إلى طريقة عمل الدماغ نفسه. فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن الأطفال الذين يشاهدون محتوى سريع التغيّر يكونون أكثر عرضة لضعف الانتباه في المدرسة لاحقاً. وهذا يؤكد أن المحتوى السريع لا يؤثر في السلوك الظاهري فحسب، بل يعيد تشكيل الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات، مما ينعكس على قدرة الطفل على الصبر، والتركيز، والاستمرار في أداء المهام التي تتطلب وقتاً وجهداً.

ومع ذلك، فإن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة استخدامها. فالتقنيات الرقمية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، وتحمل فرصاً كبيرة للتعلم والإبداع والتواصل، إلا أن غياب التوازن في استخدامها قد يحوّلها من وسيلة للمعرفة إلى مصدر للتشتت وضعف التركيز، خاصة لدى الأطفال واليافعين الذين ما زالت قدراتهم الذهنية والسلوكية في طور النمو.

ومن هذا المنطلق، جاء القرار الذي أُصدر في دولة الإمارات بشأن تنظيم استخدام الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين (15) و(16) عاماً لمنصات التواصل الاجتماعي، مع إخضاع حساباتهم لتدابير حماية خاصة، ليجسد رؤية استباقية تعكس حرص الدولة على ترسيخ نموذج متقدم لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، وضمان سلامتهم أثناء استخدام المنصات الرقمية.

ويهدف هذا القرار إلى تمكين الأطفال من استخدام تلك المنصات بصورة متوازنة تتناسب مع مرحلتهم العمرية، وتوفر لهم بيئة رقمية أكثر أمناً، بعيداً عن التحديات والمخاطر الرقمية. كما شدد على أهمية تعطيل الخصائص عالية المخاطر، مثل التواصل أو التفاعل مع المستخدمين غير المعروفين، وتحديد أوقات ومدة الاستخدام، وتوفير أدوات الرقابة الأبوية المناسبة، بما يعزز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا ويحافظ على سلامة الأطفال ورفاههم.

إن حماية الأطفال في العصر الرقمي لا تعني عزلهم عن التكنولوجيا أو حرمانهم منها، بل تعني إعدادهم لاستخدامها بوعي ومسؤولية. فالرهان الحقيقي لم يعد على سرعة الوصول إلى المعلومة، وإنما على القدرة على التركيز، والتفكير، وحسن الاختيار. وكلما نجحنا في غرس هذه المهارات منذ الصغر، صنعنا جيلاً لا تقوده الشاشات، بل يقودها بعقله وقيمه.

القاعدة الذهبية: حماية الأجيال في العصر الرقمي تبدأ بالوعي، وتترسخ بالتربية وتدعمها التشريعات.

دكتورة عائشة الجناحي
Dr. Ayesha Al Janahi
Scroll to Top