صُنّاع المحتوى اليوم هم سفراؤنا الرقميون الذين ينشرون التفاصيل الإيجابية عن الوطن عبر سردية إعلامية تعكس الهوية الوطنية المنفتحة على العالم.
وأضحى الإعلام الرقمي شريكًا فاعلًا في تشكيل الوعي الجمعي، إذ إن الكلمة في الفضاء الرقمي إمّا أن تعزّز الوعي وتنشره بصورة إيجابية، أو تتحوّل إلى ثغرة سلبية في جدار السمعة الوطنية. كما أن أقلام الكُتّاب قد تكون معاول بناء تُسهم في رفعة الدولة وارتقائها وتعزيز صورتها الإيجابية، وقد تنقلب – إن أسيء توظيفها – إلى وسائل هدم تنسف ملامحها وقيمها ومنجزاتها النوعية.
وبمناسبة الشهر الكريم، نظّمت جمعية الصحفيين الإماراتية أمسية رمضانية حوارية استثنائية بعنوان:
«السردية الإعلامية الإماراتية في ظل التحولات العالمية… رؤية دولة ومسؤولية إعلام»، بمشاركة نخبة من الإعلاميين والأكاديميين والمثقفين.
وناقشت الأمسية عددًا من المحاور الجوهرية، أبرزها تأثير المنصات الرقمية في وعي الأبناء، وكيف يمكن للأسرة الإماراتية أن تحافظ على توازنها القيمي، وأن تكون شريكًا فاعلًا في حماية السردية الوطنية من التشويش الثقافي.
ومن الردود النموذجية المتكاملة أنَّه في ظل الحضور القوي للمنصات الرقمية في حياة الأبناء، لم يعد دور الأسرة يقتصر على الرعاية فقط، بل غدا دورًا توعويًا وتربويًا محوريًا في حماية القيم والهوية.
ويمكن للأسرة الإماراتية أن تحافظ على توازنها من خلال ثلاث مسارات أساسية:
المسار الأول: بناء الوعي قبل المنع؛ فبدل الاكتفاء بالرقابة أو الحظر، ينبغي تعليم الأبناء كيفية التمييز بين المحتوى النافع والضار.
المسار الثاني: تعزيز الهوية والانتماء، عبر ترسيخ القيم الإماراتية في الحياة اليومية، مثل الاحترام، والتسامح، والاعتزاز بالثقافة الوطنية، وربط الأبناء بقصص الوطن، ورموزه، وتاريخه، ونماذجه الملهمة.
المسار الثالث: الشراكة الواعية مع الإعلام؛ فالأسرة ليست في مواجهة مع الإعلام، بل شريكًا في دعم السردية الوطنية، من خلال تشجيع المحتوى الإيجابي، والحوار مع الأبناء حول ما يتعرّضون له، وتصحيح المفاهيم المغلوطة بهدوء وحكمة.
وناقشت الأمسية المحور الثاني الذي جاء تحت عنوان: هل تبدأ السردية الوطنية من الشاشة… أم من مائدة الأسرة؟
ومن الردود المتكاملة أن السردية الوطنية تبدأ من مائدة الأسرة قبل أن تصل إلى الشاشة؛ فالشاشة قد تنقل الرسالة، لكنها لا تصنع القيم من جذورها. أما الأسرة، فهي البيئة الأولى التي يتشكّل فيها الوعي، وتُبنى فيها الهوية، وتتكوّن فيها منظومة الانتماء. باختصار، تبدأ السردية الوطنية من البيت: من الحوار اليومي، ومن القصة، ومن القدوة، ثم تأتي الشاشة لتكمل الدور، لا لتصنعه من الصفر.
وأخيرًا، تستطيع الأسرة الإماراتية أن تحافظ على توازنها القيمي عبر بناء وعي الأبناء، وتعزيز الهوية والانتماء، وفتح قنوات الحوار معهم حول ما يشاهدونه في المنصات الرقمية، ليتحوّل الاستخدام الرقمي من خطر محتمل إلى فرصة تربوية واعية، تُسهم في بناء جيل متزن، واثق، ومنتمٍ لوطنه.