السند الحقيقي لا يُورث

حين يتحوّل الاعتماد المطلق على الوالدين إلى أسلوب حياة، يجد الابن نفسه أسيرًا لمصيدة الاحتياج، غافلًا عن قدراته الكامنة ومهاراته التي تؤهله للتحليق في آفاق أوسع. وهو ما يحدث غالبًا حين يُلبّي الوالدان جميع طلبات الأبناء واحتياجاتهم منذ الصغر، فينشأون ويصلون إلى سن الرشد وهم أكثر اعتمادًا على الآخرين، وأقل قدرة على تحمّل المسؤولية واتخاذ القرارات المناسبة.

كان أحد الشباب معتمدًا على والده في جلّ أموره، إذ كانت معظم مسؤوليات الحياة تقع على عاتق الأب، ناسيًا أن الحياة ليست لهوًا ولعبًا وراحةً دائمة. لم يكن والده يكلّفه بأي مهام توقظ فيه الرغبة في تطوير ذاته، أو تدفعه لخوض التحديات وتجربة الجديد، بل كان كل شيء يصله على طبق من ذهب.

وباختصار، كان والده يدلّله دائمًا، ولم يهيّئه لمواجهة اللحظات الصعبة؛ فلا شيء يدوم: لا المال، ولا الصحة، ولا العزوة، فقد تغيب جميعها من قاموس الحياة لأي سببٍ كان.

وفي يومٍ من الأيام، أُصيب الأب بالمرض وأُدخل المستشفى، فشعر الابن بالخوف حين اختفى فجأة ذلك الظل الذي كان يمنحه شعور الأمان. لم يكن يعرف كيف يتصرّف في أبسط الأمور، كدفع فاتورة المستشفى أو إدارة ميزانيته. فاضطر إلى العمل بأجور بسيطة، وتعلّم كيف يتعامل مع المقاولين، ويحضّر طعامه، ويتخذ قراراته بنفسه.

وخلال تلك المرحلة، أدرك الشاب أن السند الحقيقي لا يكمن دائمًا في الأشخاص المقربين، بل في القوة الداخلية التي تنمو داخل الإنسان حين يركّز على ذاته وقدراته، لا على الآخرين.

ومن هنا، تبرز أهمية تكليف الأبناء بمهام ومسؤوليات تتناسب مع أعمارهم، بغضّ النظر عن درجة صعوبتها؛ فهي التي تشكّل في المستقبل سندًا حقيقيًا لهم حين تتقلّب الظروف، ويغيب الدعم، ويرحل المقرّبون.

Scroll to Top