تنمية المجتمع لا تبدأ من المؤسسات والبرامج وحدها، بل من تمكين الوالدين بالمعرفة والمهارات التي تسهم في بناء أسرة واعية وقادرة على مواجهة تحديات الحياة. فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء القيم والمبادئ وأنماط التفكير، ومنها تتشكل شخصياتهم وتتحدد نظرتهم إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم.
ومن هذا المنطلق، حرصت هيئة تنمية المجتمع بدبي على إطلاق برنامج «التأهيل المهني الوالدي» ضمن مبادرة «وصال للوالدية الإيجابية»، إيماناً منها بأن بناء مجتمع متماسك يبدأ أولاً من بناء أسرة واعية.
وقد جاء البرنامج ليواكب المتغيرات المتسارعة التي تشهدها الحياة المعاصرة، ويمنح الآباء والأمهات الأدوات والمهارات التي تساعدهم على التعامل مع تحديات التربية بثقة ووعي أكبر.
ولم يقتصر البرنامج على تقديم المعرفة النظرية، بل ركز على تنمية مهارات عملية تمس الحياة اليومية للأسرة، بدءاً من تعزيز التواصل الفعّال وبناء الثقة والدعم العاطفي، مروراً بإدارة المشاعر وتبني أساليب الانضباط الإيجابي، وصولاً إلى تحقيق التوازن بين المسؤوليات الأسرية والمهنية. وهي مهارات أصبحت اليوم ضرورة تربوية لا تقل أهمية عن أي معرفة أكاديمية أو مهنية.
كما أن اللافت في هذه المبادرة أنها لم تتوقف عند حدود التدريب والتأهيل، بل شجعت المشاركين على تحويل ما تعلموه إلى مبادرات ومشروعات عملية تخدم الأسرة والمجتمع.
فقد شهدت الدفعة الثانية تقديم 16 مشروعاً نوعياً مقارنة بثمانية مشروعات في الدفعة الأولى، وهو ما يعكس تنامي الوعي بأهمية الاستثمار في الأسرة والرغبة في تحويل المعرفة إلى أثر حقيقي ومستدام.
وتزداد أهمية مثل هذه البرامج في وقت أصبحت فيه التربية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتحديات التي واجهها الآباء والأمهات في الماضي تختلف كثيراً عن تلك التي تواجه الأسر اليوم في ظل وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الرقمي والتأثيرات المتعددة التي تحيط بالأبناء.
ولم يعد دور الوالدين يقتصر على التوجيه والمتابعة، بل أصبح يتطلب فهماً أعمق لاحتياجات الأبناء النفسية والعاطفية في مختلف مراحلهم العمرية.
وتبقى مرحلة المراهقة من أكثر المراحل حساسية، حيث يجد كثير من الآباء أنفسهم أمام تحدي الموازنة بين الحزم والاحتواء، وبين التوجيه ومنح الأبناء المساحة الكافية لبناء شخصياتهم واستقلاليتهم. وفي هذه المرحلة تحديداً، قد يكون الحوار والتفاهم والاحتواء أكثر تأثيراً من الأوامر المباشرة والعقوبات الصارمة.
إن الأبوة والأمومة غريزة فطرية بلا شك، لكنها في الوقت ذاته مهارة تتطور بالتعلم والخبرة والممارسة. وكلما ازداد وعي الوالدين بأدوارهما التربوية، ازدادت قدرتهما على بناء أسرة مستقرة وأبناء أكثر توازناً وثقة ومسؤولية.
القاعدة الذهبية:
الأسرة الواعية لا تربي أبناءها فقط، بل تبني من خلالهم مستقبل المجتمع بأكمله.
دكتورة عائشة الجناحي